الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
14
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
وعن مسالك الجزيرة ، وأوديتها وجبالها ومدنها وقراها وغيره ، ألفوا كلامه صورة حيّة لما شاهدوه بين النصوص الأثرية المزبورة على صميم الأحجار ، وصفحة مشرقة تحكي ما خط بالقلم المسند على عتبات القصور وجنبات سد مأرب وصدفية العظيمين ، وحرم بلقيس وعرشها العظيم ، وما وجدوه مبعثرا بين مدائن معين وبراقش والبيضاء . وجن جنونهم وزاد تلهفهم على بقية أجزاء الإكليل وسائر كتبه التي لا تزال في طي الخفاء . وصاروا يبحثون عنها في مكاتب العالم وخزائن الشرق والغرب العامرة بأنفس المخطوطات ، وينشدونه بين الضال والسلم وفي منابت الشيح والقيصوم . ولكن ويا للأسف الشديد ، لم يعثروا على شيء من ضالتهم المنشودة بعد أن أضناهم الجهد وغلبهم اليأس وذهبت محاولتهم أدراج الرياح غير أنهم عادوا فأثنوا على الهمداني بالذي هو صالح وأشادوا بذكره وبكتبه وشهدوا له بالتقدم في إمامة التاريخ وأمانة النقل ودقة الملاحظة وفهمه ظواهر الحياة على حقيقتها الواقعية فلا يلقي كلامه على عواهنه ، ولا هو من الذين يتكلمون رجما بالغيب وسجلوا خلوده بكلمات هي شعر من الشعر ، ودرة تتلألأ على مفرق الدهر . وحسبك للتدليل على ثناء المستشرقين على الهمداني وتمجيدهم له ولكتبه ، كلمة المستشرق الألماني « نولدكه » - وهذا الرجل من أكبر علماء الألمان المشتغلين بعلوم العرب ومعارفهم وله بين المستشرقين أعلى مكانة وأفضل مقام - بأنه لا يريد أن يفارق الحياة حتى يرى بعيني رأسه كتاب « الأصنام » أو على وجود كتاب آخر يكون أندر من الكبريت الأحمر مثل « سيرة ابن إسحاق » أو كتاب « الإكليل » للهمداني . فإني لا أزال أتطلبهما وأحلم بهما في اليقظة والمنام « 1 » . وقد حقق اللّه أمل الأستاذ « نولدكه » في ظهور كتاب « الأصنام » إلى عالم الوجود بحسن مساعي العلامة البحاثة النقابة شيخ العروبة « أحمد زكي باشا » رحمه اللّه . وأطلعه على ذلك أو أهداه . وتنفس بعد الصعداء . ولا أدري هل وقف على شيء من سيرة ابن إسحاق و « الإكليل » فإن عمره آنذاك قد نيف على السابعة والسبعين أم مات كمدا . وأنا الآخر أقول كلمة « نولدكه » سائلا من اللّه العلي الأعلى أن لا تفارقني الحياة حتى أرى بعيني رأسي بقية أجزاء « الإكليل » ، كاملة غير منقوصة . وأن ينسأ لي في الأجل حتى يبعث كامل « الإكليل » منتظما في إطار واحد ووحدة شاملة ، وغيره من كتب فيلسوفنا الفذ العبقري ، فإنه محيي العظام وهي رميم ، وما ذلك على اللّه بعزيز . هذا ولسنا بصدد الإشادة بالهمداني وما خلّفه من تراث تقطع دونه أعناق الإبل فذلك
--> ( 1 ) ديباجة كتاب « الأصنام » ص 35 و 36 .